اللاهوت التاريخى والحروب الدموية
إن الحروب التى هزت العالم وأدمت جراحه ، لم يكن لديها شيء إلا صراع العقائد الدينية .
وهنا تكون الطامة الكبرى ، والتى تؤدى إلى الكارثة فى مجتمع المتدينين عندما تضفى قداسة ومطلقية على تصورات الإنسان عن الدين . ومن ثم يعتقد الشخص أو الأشخاص المحدودون أن ما توصلوا إليه إنما هو عين الدين والديانة ، بل ويخيل إليهم آنذاك إن الشخص الذى يعتقد هذا الإعتقاد هو مثال المتدين الحق ، ومن ثم تنجم أكثر حملات التكفير والرمى بالفسق والفجور فضلا عن الصدام والعراك . ذلك لأنهم ينقلون القداسة والإطلاق والسمو التى هى صفات جوهر الدين وحقيقته ينقلونها إلى تصوراتهم النسبية المحدودة بالزمان والمكان ، حتى إذا ما عجزت تصوراتهم السابقة بسبب مرور الوقت والتحولات الطارئة على عقل الإنسان وحياته عن الإجابة عن تساؤلاتهم ، فإنهم بدلا من التخلى عن تصوراتهم المحدودة وإزاحة الستار عن كيان الحقيقة والعودة إلى مصادر الدين الفكرية والأخلاقية للنظر فيها بعيون جديدة ليتحصل تصور جديد عن الدين أكثر تكاملا وأشد فاعلية ، إنهم بدلا من ذلك يحاولون وبأى ثمن فرض تصورهم الناقص على الواقع الأمر الذى لا يدوم على المدى البعيد ويفضى إلى كارثة على المدى القريب لا محالة .
ولهذا لم تكن الصراعات والحروب الدينية تاريخا فقط ، ولكنها حاضر أيضا تعيشه البشرية . حرب البوسنة والهرسك ، والشيشان، والحرب الأفغانية ، والهند وباكستان، وشمال السودان وجنوبه، وإريتريا وأثيوبيا ، والعراق وإيران ، والجماعات الإسلامية فى الجزاءر ومصر حيث العنف الدموى فى معبد حتشبسوت ، واحداث قرية الكشح، وحركة أبو سياف فى جنوب الفلبين، واحداث إندونيسيا بين المسلمين والمسيحيين . والحرب بين اليهود والمسلمين فى دير ياسين، صبرا وشاتيلا، ومدينة قانا ، والصراع على القدس بين اليهود والمسلمين والمسيحيين فى فلسطين . فالقدس مكان مقدس عند العقائد الثلاثة : هى عند المسلمين ليست مجرد مكان مقدس للعبادة ، ولكنها عقيدة . منها عرج الرسول الكريم إلى السماء كما جاء فى القرآن ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله...) (الاسراء : 1) ، وعلى هذا يصبح عند المسلمين التفريط فى القدس تفريطا فى العقيدة. والقدس عند اليهود عاصمة لمملكة داوود وسليمان ، وأقام فيها سليمان الهيكل ، وهو مقدس عند اليهود . والقدس عند المسيحيين مقدسة فيها أعلن السيد المسيح دعوته علانية ، ويقال إن فيها طريق الآلام الذى سار فيه المسيح إلى مكان الصلب، وفيها كنيسة القبر المقدس للسيد المسيح .



تعليقات
إرسال تعليق